كما في الشعر كما في الحياة

(1)

تستشعر اغتراب جسدك عن الملاءة
تهجرك الأفاعي وتترك فيك جحورها
يملأك الصمت المطبق
ويمنعك الوجع القاسي
من الأوزان المكسورة
يهجرك الشعر
صديقك الخائن
وتشرق الشمس للمرة الأولى من البحر
فتغترب أكثر وأكثر
وتكتشف أن تحقيق الأحلام بذات القسوة
تسأل نفسك مرارًا
كيف جففت الشمس جحورك الرطبة!

(2)

لا يؤذيك غياب الشعر
بل على العكس تمامًا
أنت الأن حرٌ بالكامل
كي تكتب دونما تصنيف
خانتك القصيدة مرارًا
وأنت الأن تخونها
بكل ما فيك من شر
بكل ما فيك من كراهية
تهدم حتى ما بنيته بيديك

(3)

كي لا أفتقدك أكثر
صنعت من اسمك قصيدة؛
تعرف كيف يبدأ الشعر بجملة
وكيف تغزو الروائح النوافذ الزجاجية
أحمل رائحتك في أنفي؛
وبرغم أن لا شيء حولي يشبهك –
لا شيء حولي يشبهني –
يذّكرني الغياب
ويسقط اسمك فجأة من فمي
كي يصنع مطلعًا مرتجلًا
عن البحر المالح
عن الماء الذي يزيد العطش

(4)

ما زلت تحب كل ما
كنت تحبه قبل شروق الشمس؛
ما زلت تحلم بذات الأشياء –
إناء زهور فارغ
لم يجد بعد ما يناسبه
وقصة لا تكتبها وحدك في الغرفة،
ما زلت أراك كما أنت
هائمًا كسحابة وعاديًا مثلها
لونك الأبيض لا يميزك
ووحدتك لا تمنحك تفردًا –
ما زلت أبحث فيك عن ذات الأشياء
وذات الأشياء تطاردك
أنت والشمس والسحاب
وغروب دائم في عين البحر
وانتظار في ساحة من أسفلت
يتراقص فوقها صهد الحر –
لونك يتغير
لكنك ما زلت تحب ذات الأشياء
ذات الأحلام
وداخلك لم تمسه الأيام الطويلة؛
تمنح نفسك جائزة الصمود
وتزمجر في وجه المدينة
التي ألقت في وجهك بكل ما تملك من قذارة –
ما زلت تحب
ما زلت تحلم
واتساعك ما زال بإمكانه احتمال أكثر،
على شاطئك الرملي الناعم
ينام البحر الأن مستسلمًا من جديد
منتظرًا جولته التالية –
هزيمته التالية –
لم يتعلم بعد أنك عاديٌ جدًا
لا شيء يميزك
وبرغم ذلك –
أو ربما بسببه –
تنتصر.

(5)

في نهاية المطاف
أنت رجل استعراض
لا يجدر بك إعطاء النصائح؛
تغسل ملابسك في نهاية اليوم
بعد أن تتأكد أن جيوبها فارغة:
لا تحب أن تعلق بجسدك الأيام،
تستنشق رائحتك
وتنفث رئتك في وجه العالم
لا شيء يعنيك
وترتجل دورك كل مساء
لا يهمك إن كان نثرًا أو شعرًا
لا يهمك إن قذفك الجمهور بالورود أو الحجارة
كلاهما يلوث ملابسك
التي تغسلها جيدًا
كي لا يعلق بها شيء –
خيالك شبكة صيد
وجسدك تؤذيه الشمس
تحيل لونه إلى البرونزي،
يأتيك الناس ليروا تلك الأعجوبة
ولا يهمهم إن قلت شعرًا أو نثرًا

(6)

تفقد من طعمك كثيرًا
حين تتحدث عن فقدان الأمل؛
نكهة الفانيلا القوية
ورائحتها التي كنت تعبق بها –
آيس كريمك لا يحتمل الصيف
وشيءٌ ما لا يناسبك
في فم العالم المتشوق لانتعاشك
وأنت لا تكترث كما يليق بالثلج،
أنت
كوب ليمونٍ فارغ
على طاولة في ركنٍ بعيدٍ هادئ
وأنغام موسيقي يونانية
تبعث على النوستالجيا
على زمن قديم
كان ثلجك فيه يصمد لعين الشمس المكسورة؛
لعبة أثيرة
تطارد فيها ذيلك كقطة
لتكتشف مذاقه المر كلما أمسكت به –
ظلك الأن عالٍ جدًا
ولكنك لم تعد تثق بساقك
تفقد الكثير من الطعم
حين يهتز إيمانك
حين تتوقف عن مطاردة ذيلك

(7)

إلى السيد جوزيف كونراد صاحب رواية قلب الظلام

أما أنت فمدفأتك وكرسيك الهزاز بجوارها
ومتسع الوقت لقراءةٍ معمقةٍ عن الأدغال
جعلوك تردد هذا العواء السخيف عن الرعب
أي رعب؟ أي رعب؟
في غرفتك، ربما  –
في الغابة
تطلق حدسك في الممرات الضيقة؛
ولا تمتلك رفاهية أن تمنح مشاعرك اسمًا

(8)

يطلع الصبح
فيجدك واقفًا في انتظاره
ما زلت تجيد الابتسام
والانتظار انتصار جديد
تضيفه لقائمة أطعمتك المفضلة
هكذا يقاوم جسدك التعب
هكذا يتغذى على اللحظات الطويلة؛
تريد أن تكافئ احتماله
أن تمنحه انتظارًا أطول
كي يتقن اقتناص الابتسامات
من مخالب الوجع!
يطلع الصبح
من قلب الضباب
واعدًا يومك بشمس لا تتعاطف
مع خلاياك المنهكة
أنت انتصار كبير
ما زال لم يعلنه أحد  –
مدينة مهدمة
من بقايا الحرب الأخيرة
تنتظر انكسار حدة الشمس
كي تعلن حقها في تقرير المصير
كي تعلن أن كنوزها لم يمسها الحريق
مدينة يأكل سكانها
ثمار اللحظات الطويلة
والانتظار

(9)

أقتفي أثر أغنامي حافي القدمين
يقطر دمي في نهار منتصف الصيف،
وثقوبي تملؤها الرمال الساخنة؛
راعٍ يبحث عن قطيعه
صامتًا تمامًا
كي لا يضيع الطريق الهش
كي لا يتبخر الإصرار –
أسير
والرحلة أقل شاعرية من القصيدة
فأكذب على نفسي عامدًا
وأخفي الكذبة في المجاز
كي لا تبخرها الشمس؛
أنتظر الصدي ليملأ أذني
التي اعتادت الضجيج

(10)

الوجع
يمحو من جسدك ذاكرته
ليبقي منصوبًا في ساحة المدينة
تذكارًا لتاريخ منسي،
ينحت فيك الملح تجاويف فارغة
تسقط قشرتك البيضاء؛
ويظهر حديدك الصدئ –
تبقى منصوبًا على أي حال
يهزمك الوجع تمامًا
وتظل منتظرًا
كي تتحول القصيدة إلى انتصار –
يهزمك الوجع والانتظار:
كما في الشعر
كما في الحياة!

(11)

في كثير من الأحيان أكتب
بدافع الغيرة؛
تملؤني النصوص الحلوة بالحقد
فأندفع في الخيال
باحثًا عن مجاز جديد
كصياد بلا شباك
أستخدم الديناميت
كي أفجر نفسي والبحر والمركب –
أترك الشعر مشتعلًا بالنار
ولا أتركه لأحد!

(12)

كم أتمنى الأن لو أن لغتي كلاسيكية
كي أكتب عن القوافي التي ترن موسيقاها
في أذني دون أن تجد الحروف!
كي أضع فنارًا في قلب الصورة يهديك إلى مقصدي
ويجعل من رسائلي المشفرة نصًا مفتوحًا على مصارعه
كقلب لا يخشى الفضيحة
كقلب مشرع
يقرأه الجميع ويفهمه الجميع،
كم أتمنى لو أن أحدًا قبلي لم ينتهك المجاز
ولم يضع في طريقي كل تلك المصاعب –
فناري يضيء ميناء مدينة لا يزورها أحد؛
يدور في سمائه مصطنعًا عدم الاكتراث
لكني أسمع صوت مفاصله
وأتمنى لو أن لي لغة
تناسب ذلك الأزيز

(13)

أحيانًا يتراكم خيالي؛
يصيبه العطب والرطوبة
يصبح رخوًا لا تناسب طراوته
قسوة الحروف –
الحروف قاسية جدًا يا صديقي
مثل حذاء ضيق على أسفلت ساخن؛
تسألني: متى ظهر الفنار في نصوصك؟
لا أعرف بالضبط
ولكني أحتاج الأن إضاءة
لأتحسس خطاي وسط كل هذا الخيال
وأنتقي منه ما لم يفسد تمامًا –
ما يناسب قسوة الحروف

(14)

سأخبرك صراحة ً ذات يوم
عن كل ما أخفيته بين سطور القصيدة
وسأحكي دون مجاز أو استعارات –
ببجاحة ربما ولكن دون جمال بالتأكيد
أنك وضعتني في ركن حجرتك،
فازة تضع فيها الجنيهات الفضة
والقصافة والأزرار
وقصاصات الورق التي تحمل أرقام السباك والكهربائي
والأشياء الأخرى التي تحتاجها من حين لأخر –
الأشياء التي لا تعرف أهميتها إلا حين تفقدها

(15)

أعرفكِ الأن جيدًا
أعرف منشاركِ
يقطع جذوع الأشجار
ليصنع منها مراكب،
تلقي بي في البحر
وتعديني بشباكٍ مملوءة
ووصول
ونهاراتٍ طويلة وشمسٍ لا تغيب –
تغيبين
تحتجبين خلف ميناءكِ
وتطلبين مني أن أصبح سفينة
أحاول إرضاءكِ
كي تفتحي أذرعكِ الفولاذية
ولكنكِ لم تخبريني أن الأشجار لا تنمو في المالح!
أكتشف ذلك وحدي –
مركب صيد
بلا وجهة
غير عمق الأفق
وقلبه المفتوح للأشياء الصغيرة
الأشياء التي لا تكبر في المالح

(16)

ليس أمامك غير الطريق
وصوت احتراق الوقود في المحرك
وليس خلفك غير خيط دخان أبيض –
الرحلة غواية أخرى؛
وأنت
رحّال
تجعل من عظامك أعمدة السماء
تفتح فمك كي تبتلع الشمس
التي تنزلق الأن في جسدك!
ذلك الكائن الأسطوري الذي يحمل على أكتافه
هذه الكرة الارضية – – –
ما زال في محركك وقود
ما زال في طريقك طريق
ما زال في خيالك خيال –
لماذا تشعر بالحزن؟
كنت تأكل غداءك
في إحدى الاستراحات المنتشرة على الطريق
وتشرب من كوب الشاي،
تتأمل سندوتش آخر على الرف –
ربما عليك الحصول عليه،
ربما عليك أن تكتشف
أن ليس كل الذين على هذا الطريق
يعرفون إلى أين يمضون،
مساء الخير
هل لديك مقعد شاغر؟
أنا فقط أبحث عن رفقة J

(17)

تسقط من تحلقيك العالي
يا إيكاروس
في السلطانية أمامي؛
صمغ جناحيك أفسد شوربتي!
أحب أن أفسد الأشياء
لكنك خدعتني بينما أستعد لوجبة هانئة
في ظل حجرتي المكيفة،
كيف اخترقت السقف؟

(18)

ترى صورتك في النافذة
التي تحتل الحائط كله
في حجرتك الزرقاء –
كأن العالم ليس أرنبًا في قبعتك
وأصابعك تعرف التعويذة
لكن المسافة بينك وبين يديك كبيرة؛
كأن نظامك العصبي طويل
لا تصل فيه الرسائل للأطراف البعيدة،
كأنك فقدتَ السيطرة تمامًا
على القلاع النائية،
معزول في قلب عاصمتك
ومحاصر في مجدك الشخصي،
النافذة التي تحتل الحائط كله
ليست نافذة –
كأنك في عالم تم استكشافه بالكامل
لا غابات
ولا بحار
ولا مدن بعيدة غامضة
لا غموض؛
فالعالم أرنبٌ في قبعتك
تعرف فراءه الأبيض وعيونه الواسعة؟!

(19)

واقفة على الرصيف
في انتظار قطار السادسة صباحًا – –
لوركا أرسل لها قبل يومين إيميل
“تعالي إلى غرناطة يا صبية”
أناملها التي تحتضن كوب القهوة الورقي ترتعش –
طفلة سمراء في حقول البن تقطف رفقة
طفلة شجرة يابسة
تحتضنها الريح “عاشقة الأبراج” –
مر أربعة شباب
يرتدون بشرتهم السمراء
ويغنون “فاتت جنبنا”؛
وافقة على الرصيف
في انتظار قطار السادسة صباحًا
لا تعرف أي لغة تستخدم
كي تسأل عن الساعة

(20)

كما في الشعر

!كما في الحياة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

A WordPress.com Website.

Up ↑

%d bloggers like this: