قلب المدينة ما زال يملأه الدخان

(1)

جدتي امرأة عادية؛
قضت عمرًا أمام البوتجاز وألة الخياطة
علمت ماما الطبخ وحياكة “الرجال” –
أذكر الباترونات التي كانت تقصها من مجلة سيدتي
وترصها في درج الماكينة العتيقة دون أن تستخدمها؛
ارتباط ما بين الأنوثة والاحتفاظ بالمشاعر
جست إن كيس –
جدتي امرأة عادية جدًا
علمتني أن النساء العاديات جميلات
وهن يشوين السمك على البابور
ويزرن المقابر في صباح العيد
كي لا يشعر أحبابهن بالوحشة في ذلك اليوم؛
ماهرات في الخوف
كانت تقول أن الخوف
لا يعني عدم استخدام السكين،
أمسكت بيدي حين استخدمت السكين لأول مرة
ابتسمت وقالت: أنت رجل
لا تتوقع أن تصبح ماهرًا في أيٍ من هذا –
انكسرت أصابعي في قبضتها
ونمت لي أخرى أكثر طولًا

(2)

مغترب بالكامل
في لغة لا تفهمها
وقصائد لا تجد ما يناسبها من كلمات
وخيال على حافة الانهيار؛
يسقط منه حجر إثر حجر
محدثًا ذلك الضجيج الخاوي
ذلك الضجيج الذي تبحث فيه عن معنى –
أناملك ترتعش بينما تنفض رماد السيجارة
وترتعش بينما تمسك بودان الفنجان
وترتعش على كتفي
بينما نحن غريبان في جلسة لا نعرف فيها أحد
لنذهب من هنا، لنذهب
ولكن لا أحد منا يتحرك –
ظلك أطول منك؛
انت بارع فيما تقوم به من أدوار هامشية
على طاولة العالم التي تهتز سيقانها الأن
أناملك ترتعش
والاغتراب يملؤك برغبة
في استخدام لغة أخرى
كي يصبح لعدم فهمك سبب –
تضعين يدك على خصري بينما نرقص
وتقولين بصوت بين السر والبوح
لنذهب من هنا، لنذهب
فأخبركِ لنمكث قليلًا
ما زال هناك أمل في بقية الليل –
أن يفتح لنا ذراعيه
فنحن لم نعد نريده أن ينتهي
لكنك تضحكين
وتتقمصين دور امرأة عادية
ستصبح جدة ذات يوم:
رضينا بالهم –
يرقص ثلاثتنا في بهو تملؤه الأعمدة العتيقة
ونستند على أكتاف بعضنا
بينما القمر ينزف شغفه
والعالم يتقافز بجوار أبواب السيارات المفتوحة
على طرق سريعة جدًا –
نرقص معه
حتى لا يبقي في مفاصلنا غضاريف
حتى لا يتبقي في أجسادنا رقص –
أي مكان أخر سيسع كل تلك الفرحة؟
ننشئ صفحة على الفيس بوك لنا وحدنا
نطبع بطاقات هوية
ونخترع لغة لا نشعر فيها باغتراب

(3)

تعالى
فالمدينة لا تنظر
وتلك أقرب نقطة؛
قفزة واحدة
وتسقط في كفي –
تعالى
فالمسافة مقدار طاولة صغيرة
رخامها زلق قليلًا
لكنك تجيد الرقص على الزجاج،
قدماك ملفوفتان في الستان الوردي
ويطير شعرك  –
تعالى إلىّ
أنا أتدلى من معصمك المرفوع فوق هلال ذراعك
ووبر ندائي يملأ حلقي فأكاد أختنق
ولكنك
تبتسم
فأبتلع حلقي
وأكرر
تعالى
فالمدينة لا تنظر
ودورة الأرض حول الشمس تباعد بيننا في كل ثانية
لا تنتظر
تعالى
أحبك الأن أكثر
وأكثر
وكوكتيل خمور أبيض يسيل بين أناملي
وسيجارة أخيرة –
هل تدخن؟
لا؟
راحة كفك دفعتني في عكس اتجاه الجاذبية
عكس عقارب الساعة
كي أعود وأعود
حتى لا يبقي من الزمن غير لحظة سقوطك في كفي
غير لحظةٍ اطلق سراحها في ذاكرتي
كي يخيل إلىّ أنها —
وأننا —
حتى الصباح التالي

(4)

امرأة أخرى
لا أعرف عنها شيئًا
تفتح ذراعيها كما كنتِ تفعلين
حين نلتقي في أماكننا الآمنة،
امرأة توقفت عن مشاركة أسرارها معي
وكفت عن الابتسام
لأنها اكتشفت أنني لستُ سببًا كافيًا
كي تشرب القهوة بلا سكر،
أنتظركِ في الشمس
وأختار متعمدًا هذا الجانب من الصورة
كي أمنح السخرية لونًا فسفوريًا فاقعًا في النص،
أتصبب عرقًا في انتظار طويل
على كرسي بودوار الحديدي؛
تتأخرين على غير العادة
لأنك الأن امرأة أخرى
أفكر أنه ربما لديكِ انشغال ما –
أفكر في أم كلثوم
“ياللي عمرك ما خلفت معاد في عمرك
الليلادي غبت ليه حيرني أمرك؟”
أم أنكِ امرأة أخرى
ربما لا تحب تلك الأغنية؟ –
امرأة أخرى تفتح ذراعيها
لظلي؛
لم يعد أي منا ذات الشخص
لكننا نتعانق على أي حال
ونكتشف أن التاريخ يمكن احتضانه
ويمكن تناول القهوة معه –
دون أن نهتز
دون أن نفكر في الرجوع،
تضعين يدكِ على كفي
وتقودينني بهدوء مثل سيارتكِ مساءً
في شارع فؤاد منتصف ديسمبر،
زجاجكِ غارق في المطر والشبورة
تقودينني بهدوء
كي أعيد اكتشافك
كامرأة أخرى
لا تحتاجني

(5)

في انتظارك يمضي كل شيء بالتصوير البطئ؛
المسافة التي يقطعها النادل بين باب المطبخ وطاولتي
المسافة التي تقطعها القطة بين سيقان الكرسي
أصابعي التي تبلغ فمي بالسيجارة رمادًا
والثلج في كأس العصير لا يذوب –
في انتظارك أكتشف جمال الأفعال العربية التي تنتهي بالواو؛
يصبو، يشكو، يحنو، يقسو،
يبدو، أو لا يبدو
يدنو، لا يدنو
في انتظارك يقطر مني الصبر
يصنع تحتي بقعة أخجل منها،
“ضاق خلقي يا صبي”
أفتح حقيبتي وأتناول كتاب أنهيته
أعيد قراءة سخافاتي القديمة  –
وأعيد اكتشاف عيوبي كلها

(6)

تعرف تلك الدهاليز
ذات الأقواس والأعمدة
تلك الممرات التي لا تنتهي
ولا يصل فيها أحد
تلك المتاهات المصنوعة مثل قلب عملاق
لا يضخ سوى الحيرة،
نحن قصر في قرطبة
يركض فينا الغلمان والجواري
وتسيل الخمر من كؤوسنا
نحن نحاس السرير
الذي تلى فيه ابن زيدون شعره لولادة:
“كما تشاء، فقل لي، لستُ منتقلًا”
فقل لي وقل لي
حتى لا يتبقى في حجارة الساعة وقت
أو في فرن الشمس حطب،
قل لي أشياء لستُ أعرفها عن حيرتك
عن كل الأشخاص
الذين عبروا في ميادين عمرك
ليحتسوا الشاي في الكافيه
المطل على نافورتك الرخامية
ثم مضوا
تاركين داخلك رغبة في سرقة حياتهم

(7)

موبي ديك
———
جسدك المطلي بنور الشمس
يدور حولي طافيًا
كأن نيوتن لم يكتشف الجاذبية
كأن كوبرنيكوس لم يكتشف أن الشمس
لا تدور حول الأرض:
وأنت تشعر بالأمان،
كأني لن أمد يدي لأقطفك
كأني لن أحلم بألف ثوب أمزقهم جميعًا
عن برونزك ونحاسك
حتى أصل لمادتك الخام
دون إضافات
ودون طبقة نور الشمس اللامعة؛
تطفو في خيالي
كأنها ليست مياه العدو
وتصطاد – أنت بالفعل ألقيت شباكك
كي تصطاد مني شيئًا ما –
بما تحلم؟
دعني أمنحك إياه
كي تبحر أعمق
كي تفقد مرئى الشاطئ والجزيرة
كي تصبح وحدك في وجه فريستك –
جسدك المطلي بنور الشمس
يفقد بريقه في الماء المالح
جسدك تكسوه الزرقة
تفتح ذراعيك مستنجدًا بكل الذين تركتهم وراءك
وتأكدت أن لا أحد منهم يمتلك خريطتك؛
كنت تفخر بأنك بلا خريطة
وبأنك معتم كثقبٍ أسود –
مضادات الاكتئاب تذوب في دمك
يدك تمتد هكذا دون إجابة؛
والرسائل التي لم تفتحها على الفيس بوك
كانت جميعها من “الله

(8)

اختناق
كأن المدينة بأسرها تقف في حلقك –
كأنك على وشك الموت مختنقًا
وقلبك الذي عرف كل ألوان المشاعر
من الأزرق البارد إلى الأحمر الداكن
نزف دمه بالكامل في شرايينك
كي تظل ساقك تحملك
عبر الإشارات والطرق المزدحمة
ورئتك تقاوم كل الأدخنة
تلك التي اخترت أن تتنفسها
وتلك التي أجبرتك الحكاية عليها،
شعيرات الدم تنفجر في رئتك
وساقك ترتعش تحتك –
اختناق
لا شيء يعني أي شيء
ولا حتى أنك تموت مختنقًا
بقطعة مارشيملو

(9)

الانتظار يأكل الروح  –
يتركها سكينًا صدأة
غير قابلة للاستخدام

(10)

يدك تعرف –
كل الرسائل المشفرة
وكل اللحظات التي طال فيها سلامي،
يدك تعرف –
أن اللمسات العفوية على كتفك
لم تكن عفوية،
يدك صندوق أسراري،
حين أمسكت بكفك أقرأه
أخبرتك عني يومها –
ذلك المستقبل الذي حكيت لك عنه
كان مقتبسًا بالكامل من قصائدي
التي لم أنشرها على الفيس بوك،
وذلك السفر الطويل الذي تنبأت لك به
كان في رئتي –
أنا قارئ فاشل؛
ملأت كفك بأسراري

(11)

أغلق الباب جيدًا قبل أن أذهب للنوم
أطفئ الأنوار كلها وأخبئ وجهي في الوسادة –
لا أريد لشيء أن يزعج نومي الخفيف؛
أبحث عن ليلة هادئة
أقضيها بلا أحلام وبلا رغبةٍ في الركض خلف ظلي،
أجبر جسدي أحيانًا على النوم وأحبس الأشباح الراقصة
في أطرافي –
أعرف مقدمًا أنني سأعيش طويلًا جدًا
وأعرف أني سأجرب كل أنواع الشفاه
على كل جسور المدن البعيدة؛
أنا لم أختر أن أولد في جسد مملوء بالحياة
ولم أختر أن أولد في مدينة بلا جسور؛
أنام بنصف عين مفتوحة
كي لا يفوتني مرور النجوم في السماء،
أحاول أن أسيطر على لهفتي
أن أضعها تحت طرف المرتبة لساعات فقط
لكن النهار يبزغ دائمًا مبكرًا في جسدي
وأنا لم أختر أن أولد
بشمس زائدة على كتفي

(12)

عزيزي
لقد أمطرت أخيرًا هذا الصباح
والصيف على وشك الانتهاء؛
لماذا ما زلت صامتًا؟

(13)

عزيزي
لقد أصبحت أنسى مفاتيحي
في أكثر الأماكن عشوائية؛
لماذا نسيت لساني في فمك؟

(14)

مونتريال 2030
—————-
سأحاول ألا أكذب حين تسألني عن عمري
ولكني سأحتفظ لنفسي بخمس سنوات فقط
كـ وقت بدل ضائع؛
وسأحاول ألا أكذب حين تسألني عن وطني
فأنا بالفعل من مدينة تطل على المتوسط
يستخدم سكانها أذرعهم بطولها
كـ علامات ترقيم؛
سأحاول أن أكون حقيقيًا وصادقًا
وأرتدي لأول مرة
قناعًا من اختياري.

(15)

عزيزي
لقد أمطرت في أغسطس،
هل ما زلت تعتقد أن بعض الأمور مستحيلة؟

(16)

لا أجلس صامتًا أبدًا؛
ما قد يبدو موتًا على شفتي
هو في الحقيقة شيءٌ يعج بداخلي
يطحن حبوب القمح
دقيقًا أصنع منه حلوى،
أنا لا أجلس صامتًا أبدًا –
أنت فقط ترى الفرن من الخارج
ولا تعلم شيئًا عن النار بداخله،
تظن أنك في رحلة آمنة
فأنت لا تعرف أين أو متى
سينفجر كل هذا تحت قدميك
لا تعرف تحت أي صخرة
تختبئ الأفعى،
أفرد شراعك بعرض الأفق
وشق جسدي بمقدمة سفينتك
فأنت لا تعرف أي موجة ستقلب كيانك –
تجلس مبتسمًا بينما أقدم ما صنعته لك؛
الانتقام طبقٌ يُقدم باردًا!

(17)

لا أحتضن الوسادة أثناء نومي؛
كيف أحتضن كل تلك الأحلام التي سقطت مني عليها؟
كيف أحيا بكل تلك الأجنة الميتة في رحمي؟
أهجر سريري ليومين – –
أريد ملاءةً جديدة ووسادةً جديدة
ورحمًا يبدأ الليلة دورته الأولى

(18)

تتذكر أن تشحن هاتفك وترسل الإيميل الذي نسيته
تتذكر أن يومين قد مضيا دون أن تغسل أسنانك،
تقرب صفحات الرواية من أنفك
كي تشم رائحة مدام بوفاري
وهي تحارب طواحين عصرها؛
كانت تبحث مثلك
في الفصل الخاطئ من كتاب التاريخ،
تجرب أن تمشي خارج جسدك
لمرة أخيرة
لكنك ما زلت في الاتجاه الخاطئ —
وما زالت الأرض تشير للشمال

(19)

عزيزتي
لقد فقدتُ الجملة التي قولتيها هذا الصباح
رغم أني وضعتها في محفظتي
كي أقتبسها في مقدمة تلك القصيدة،
كنتِ جالسةً تشربين الأيس موكا وتخبريني عن نفسكِ –
عزيزتي
لقد فقدتُ القصيدة التي خططتُ لها
بينما أبحث عن جملتكِ ولا أجدها،
كنتُ جالسًا في الباص منتظرًا الفكة؛
لا بد أنها سقطت منى في الكافيه –
عزيزتي
أظن انها كانت عن
كم أحب أن أعتقد أنني أفهمكِ

(20)

ملاحم الفشل اليومي –
يسقط الكوب من بين أناملها
وينكسر في الحوض
فتكتشف الرعشة الجديدة في يدها
وتكتشف أنها الأن أقل من امرأة عادية،
لسنوات – قبل أن تصبح جدة –
غسلت ملايين الأكواب
تتذكر الأن أطنان الشاي
التي سكبت عليها الماء الساخن
وتتسائل من أجل مَن أحرقت أصابعي!
المطبخ الفارغ تمامًا من السكر والسمن
يناسب وحدتها العادية،
عيناها لا تريان صورة زفافها المعلقة فوق السرير
ونظارتها تحتاج لزجاج جديد
تحتاج أن تُضبط لتناسب الزاوية الجديدة؛
قليلٌ من الرضا لم يعد يناسب بصرها
الذي تسوء حالته،
لم تعد لها هواية غير مراقبة الساعة
دون أن تنتبه لعقاربها التي توقفت

(21)

تقول ماما أن الثلج يزيل الكدمات،
تقول ماما ذلك كـ خبيرة
تعرف كيف تداوى آثار الارتطام –
هي لا تعرف مما أشكو تحديدًا
لكنها تلاحظ أنني بحاجة لتلك النصيحة؛
تقول أني أقضى الكثير من الوقت وحدي
وتقول أن الوحدة مهما بدت طيبة
تنخر العظم
وتتركنا فارغين تمامًا أمام النوافذ
التي لا يمكن إغلاقها –
تقول أنها تعرف ذلك الاشتياق للشتاء
للهروب أسفل البطانيات
والتخفي تحت طبقات الملابس؛
تقول أنها امرأة
وكانت تعني أنها تعرف
كيف تنمو الروح ثلجًا
كي تقاوم الكدمات

(22)

أحاول أن أكتب عن يومي
الذي قضيته بالكامل أمام اللاب توب –
أحب أن أعتقد أنني بخير؛
أفتح كل صباح الفيس بوك
وأبدأ رحلة البحث عن السعادة
في حياة الأخرين،
أدس أنفي في صورهم وكلماتهم
وأستنشق الهواء من صدورهم،
أسرق ابتسامة
وأكتب عن كيف قضيت اليوم مبتسمًا
كي لا يبدو الوضع مريب
ولأني لن أعترف أبدًا بأني مرتبك ووحيد،
أفتح اليوتيوب لأني غير قادر على احتمال
كل هذا الضجيج في رأسي؛
أسأل نفسي كثيرًا:
لماذا لا أكتب عن طفل سعيد
وجد في رمال الشاطئ لعبة
دون أن يفلت النص مني
في اتجاه ذلك الطفل الأخر
الذي فقد لعبته؟!

(23)

لماذا تشبه رائحتك رائحة الكبريت؟
ولماذا تشبه رائحتي رائحة الجاز؟
ولماذا كل هذا المجاز
كي أقول أننا اشتعلنا في لحظة
وأننا أحببنا الدفء والبريق
وأننا برغم بساطة اللحظة
التي ارتعشنا فيها ثم انطفأنا
أحدثنا صخبًا هائلًا
كان سببه الأساسي
أن الشجرة في قلب المدينة جافة
فاحترقت خلفنا –
لماذا كل هذا المجاز
كي أقول أننا برغم انطفاء الجذوة فينا
إلا أن قلب المدينة ما زال يملؤه الدخان؟

(24)

ماما دائمًا غاضبة:
حين أجلس طويلًا وحدي
حين أجلس طويلًا أمام التلفزيون
حين أمد ساقي على كنبة الأنتريه
حين أضع ماج النيسكافيه على مفرش السفرة
حين أسهر للفجر في البيت
أو خارج البيت
حين أنام مبكرًا جدًا؛
ماما غاضبة دومًا
كأني مصدر إحباط دائم – –
أحيانًا أتخيل أنني مجرد بانشنج باج
وأنها امرأة أخرى محبطة
في عباءة سوداء
كانت على وشك أن تصبح سوبرومن في مراهقتها؛
أصبحت أقضى الكثير من الوقت مؤخرًا
محاولًا أن أتصور ما كانت تحلم به قبل كل هذا!

(25)

أنا
منجم فحم مهجور –
كل تلك القضبان
وأصابع الديناميت
غير المستخدمة!

(26)

تربط ماما في باب البلكونة حبلًا،
أضع عليه وسادة وأجلس كي أتأرجح،
مرجيحة بسيطة لطفل سعيد –
بهدوء أدفع جسدي الصغير
وأتخيل أن العالم يذهب ويعود،
أحتفظ بتلك الذكرى
وأحلم بأن أتعلم الرسم كي أرسمها في بورتريه ذاتي
وأتعلم المزيكا كي أكتبها غنائية من ست حركات،
وأحلم أن أتعلم السينما كي أصنعها فيلمًا
عن طفل يظل على مرجيحته إلى الأبد
دافعًا بجسده الصغير بعيدًا عن الألم –
أحلم بتلك الذكرى من حين لأخر
فأستيقظ وقد امتلأت الحجرة
برائحة البرتقال والمطر

(27)

القبلة – جوستاف كليمت
—————
تضغط صدرك على صدري
فأعرف مذاق القطيفة،
أصابعك ترسم على ظهري مسارًا
أمضى عليه حافيًا باحثُا عن الشمس –
تهبط بي إلى قعر الجحيم
فأرى في عينيك جسدي يولد من جديد
ولكنني تلك المرة بيرسفوني
وقد صبغت أطراف جدائلها بالأحمر الناري؛
تحولات —
تخبرني أنك تخاف من جسدي
الذي يشبه جوز الهند،
وأنني أحتاج لمطرقة كي أكشف عن مذاقي،
تحكي ليّ عني
فأراني نائمًا في سريرك تمامًا كما تقول،
وأقسم لنفسي مرارًا
أنني لم أكن قط غير حبة جوز هند،
أشمني في شعرك
بين ساقيك
وأراني أنزلق على بشرتك
سائلًا أبيضًا لزجًا —
أضغط صدري على صدرك
فأعرف دفء القطيفة
وأهمس: عليك أن تصبغ شعرك بالأحمر،
أصابعك ترسم على ظهري مسارًا
أمضى عليه
كي أكتشف أن الشمس
تتدلى من سقف حجرتنا
وأنني لم أعد أحتاجها

(28)

كنتُ طفلًا بلا أسنان
أجلس في حجر ماما بينما تهرس
الخضراوات المسلوقة وتدندن في أذني –
ما زلتُ أسمع صوتها في رأسي،
ما زلتُ أراها وهي تجلس
لتضع الزيت على شعرها
وتأخذ وقتًا طويلًا في تسريحه
كأنها تقاوم الزمن
كأنها ترفض أن تصبح شيئًا آخر غير أنثى،
ماما دائمًا تدندن
هكذا بينما تغسل الصحون
أو تكنس الأرضيات وتمسحها
كانت تدندن لكل الأدوار
التي لم يعد مسموحًا أن تلعبها –
كانت في العشرين حين وضعوني بين ذراعيها
بعد ولادة شاقة –
تردد: الولادة الأولى شاقة جدًا،
كأنها تعتذر لي عن ألمها
ثم تكمل: تركوني لساعات
وعارضة خشبية في السرير تقسم ظهري،
لم يكن والدك حاضرًا،
كنتُ طفلًا بلا أسنان
وكانت ما تزال تتعلم كيف تسلق الخضروات –
نادرًا ما تدندن الأن –
كأنها فقدت صوتها؛
وفمي أصبح مملوءًا بالأسنان والغضب

(29)

أتذكر الأن
أني وضعتك في جيب بنطلوني
بعد أن خدشت حافتك الحادة طرف إصبعي،
أتذكر الأن أني أحمل منك نسخة أينما ذهبت
كأنك شامة تلقيتها عند الميلاد
هديةً من امرأة
تلدني على سرير في مستشفي هادئة
تقع وللمصادفة على ذات الطريق الذي اجتزته
ذلك المساء كي ألتقيك لأول مرة –
أتذكر الأن أني تركت في ذاكرتك
صورة جسدي الذي تعرى لأول مرة في عينيك،
وتركت تحت وسادتك بصمات أصابعي
التي راحت تضغط المرتبة
بينما الألم يشجب ضعف احتمالي –
أتذكر الأن أنك ما زلت تطاردني
وأني هربت منك مرارًا
لأني لا أريد أن أتذكر
أني كنت بكل تلك الهشاشة
وأنك وقفت منتصرًا على بوابات مدينتي
التي أرادتك بشدة
ولكنها لم تكن تتوقع كم هو باهظ
ثمن صناعة الذاكرة

(30)

تقف على مقدمة سفينتك
وتفتح ذراعيك كي تحتضن الأفق
وتعلن أنك ملك العالم؛
لا يهم إن كانت تلك السفينة ستغرق
وأن النهاية تطل برأسها فوق سطح البحر –
كنتُ في الثالثة عشر حين مات جدي
وكانت تلك أول مرة أرى فيها ذلك الحدث
يقع أمامي ويمد أذرعه ليحتضن الجميع:
ماما، جدتي، خالاتي وأخوالي،
حدث كبير بالنسبة لطفل
ليس صغيرًا بما يكفي كي تفلت منه الذكرى
وليس كبيرًا بما يكفي كي يفلت هو منها!
جارتنا المسيحية احتضتني
حين رأتني أبكي وحدي في الحجرة
وأخبرتني انني أصبحت رجل،
صوت المنشاوي في شريط الكاست
يردد حكاية مريم التي تمنت لو أنها ماتت قبل هذا اليوم –
كنتُ في العشرين حين ماتت عمتي
وكانت تلك ثاني مرة أرى فيها ذلك الحدث
ولثاني مرة يحتضننا الموت
واكتشفت أن تلك الأحداث لا تمر
هي فقط تبقي حاضرة
كأن لها رائحة ثقيلة
كأنها بقعة زيت لطخت قميصي الأبيض –
كنتُ في الرابعة والعشرين حين زارني الموت مرة أخرى
كنتُ مستعدًا له تلك المرة، فقد رأيته من قبل
وضعت له القمح على سور البلكونة
وانتظرته بينما أكتشف أن القهوة والتمر رفيقان جيدان
وأن بإمكاني إخفاء بقع الزيت على قميصي الأبيض –
لقد أصبحت رجلًا بالفعل
أعلنت مرارًا أنني ملك العالم
ولكن حتى الملوك
يختبرون الغرق
وكل السفن تغرق!
أعرف جيدًا أن كارثة بحجم جبل ثلج ومراوغته
لا أقل من ذلك هي التي ستكسرني،
أضع الموت الأن في قفص
وأطعمه كل صباح من رغباتي
كي يكبر، يكبر بما يكفي
لأني أريد موتًا يناسبني

(31)

لستَ وحدك –
في حدود الحادية عشر كل صباح
تجد نفسك في المطبخ
منتظرًا الماء ليغلي
كي تصبه على ملعقتين من النيسكافيه،
تتابع عقرب الثواني وهو يعد ستين
ليترك قلبك وحده يعد العشر نبضات الزائدة،
أنا أيضًا أعد الثواني كـ نبضات!
أنا أيضًا تمتلكني تلك الرغبة
في قول شيء ما،
أنا أيضًا لا أمتلك اسمي؛
أكتبه على الورد بخطوط مختلفة
وبجميع الأبجديات بحثًا عن الشكل المناسب –
لم تكن وحدك هذا الصباح
بينما كنت تعد الماء المغلي لشخص واحد،
تجلس أمام الكوب الساخن منتظرًا الشتاء
كي تتمكن من الإمساك بذلك الدفء
أنا أيضًا أحب الإمساك بأكواب النيسكافيه
وقلبي ينبض سبعين مرة في الدقيقة
وتتركني الساعة حائرًا بعشر نبضات زائدة –
أنا أيضًا أكتب عنك
كي تجد الشتاء في قصيدتي
وتشعر بكفي على كتفك
بينما تحمل الكوب الساخن
وتبتسم

(32)

تاكو، وفودكا، وقصيدة
———————
أحيانًا أشعر بالوقت
يسحب على وجهي فرشاته
كما لو كان طفلًا يجرب ألوانه،
يرسمني بخطوط خارجية
ومساحات فارغة؛
لم يمنحني الوقت ميزة
غير بعض الفضول –
لولاه ما كنتُ ما زلتُ هنا
في انتظار انتهاء اللوحة كي أنظر في المرآة:
بإمكان الوقت أن يجلعني عربيدًا في موسكو
أو راقصًا في أحد ملاهي نيوميكسيكو،
أو أن يجعلني شاعرًا

(33)

لقد عشتُ تلك اللحظات من قبل،
أرفع الأباجورة التي سقطت على الأرض
أمسح الطاولة التي سقط عليها الشاي
وأقرر مجددًا أنه من الأفضل
عدم استخدام ذلك الكوب،
أختار لونًا جديدًا لأظافري
كي لا يتسرب الملل إلى جسدي
وأحشر جسدي في اللحظات
التي ضاقت علىّ –
ثم أعيد استخدام الكوب
واعدًا نفسي أنها المرة الأخيرة
على أمل أن أجد كنزًا مختبئًا في التكرار

(34)

ما زالت الشجرة في موضعها
والبحر والقلعة وبائعة الورد،
ما زلتُ أشرب القهوة بدون سكر
وأحب المسلسلات الغنائية
ودراما المراهقة،
ما زلتُ أفضل الشاي بالنعناع
والروايات التي يموت أبطالها
وما زالت السحب في السماء تحمل مطرًا
ونوفمبر ما زال طيبًا كما اعتدته،
ما زلتُ أخاف الكلاب
والفئران والصراصير الطائرة
و ما زلتُ أسمع أم كلثوم،
وأشرب النيسكافيه صباحًا بدون سكر أو حليب
وأرى أن جسدي يحتاج لفقدان عدة كيلوجرامات أخرى
وما زلت أقضي وقتًا طويلًا على الفيس بوك
وأضع زجاجة ماء بجوار سريري ليلًا
لأن الأحلام تصيبني بالعطش

(35)

يقول مسافرٌ في الباص:
هل غلت الأجرة مجددًا؟
أنزلني هنا
فليس معي سوى ما يكفي نصف المسافة

(36)

أضع في سلسلة كل المفاتيح
التي لم يعد لها أبواب،
وأمتلك درجًا في مكتبي للولاعات
التي لم تعد تشعل الحرائق

(37)

ذلك الصباح القديم
الذي قطعت فيه المدينة
بينما الغيوم تتجمع في السماء
والنوة تتشكل
حتى أغرقت الشوارع؛
ذلك الصباح
الذي حبستني عاصفته
في أحد مداخل البيوت القديمة
لم أكن أفكر في غيرك
وانتظارك الطويل
بينما أنت لستَ هناك –
أنت لم تعد أنت
بل مجاز لكل الأشياء
التي قطعت لأجلها النوات
ولم أجدها

(38)

أحب ذاكرتي
حين تلعب معي
وتفتح فجأة إحدى الصفحات
فيما يبدو كـ فعل بلا مبرر،
هنا، تحت شجرة مسك الليل
تحت نفس القطعة من السماء
أعود إلى شعور كنتُ أظنني قد فقدته
تلفني الرائحة بكل التفاصيل
التي حفظتها ذاكرتي في إناء خزفي؛
ويبدو الزمن فجأة مثل صديق وفي
يأخذ منك اللحظات
كي يعيدها إليك حين تحتاجها،
هنا، في تلك المدينة
وتلك الشوارع وذلك الكورنيش،
والأن لحظة تتكرر أبدًا في مخيلتي
وتمد يدها كي تهدئ من روعي
وتخبرني بكل اللغات التي أفهمها
أن كل شيء على ما يرام
وأن كل شيء سيكون على ما يرام،
أحب ذاكرتي حين تقول: تنفس
كل الذين تعرفهم
كل الذين تحبهم؛
أنا أحتفظ بهم لأجلك

(39)

أصابعك ما زالت مشتعلة منذ ليلة أمس،
أنت نفسك هنا منذ ليلة أمس لم تغادر
يؤسفني أن أخبرك ألا مكان في جسدي لليلة أخرى
وأنك يجب أن تغادر الأن كي أفرغ منك
قبل الجولة التالية من ذلك البحث الذي أدمنته
مثل مسكن قوي
مثل اقتراب استراتيجي من النار
كي تطرد الوحدة من عظامي
دون أن تصهرني في قالب
لم يكن قط على مقاسي –
أصابعك ما زالت مشتعلة منذ ليلة أمس
وليس أمامك الأن سوى غمسها
في تلك الأغاني السخيفة
كي تهدأ قليلًا؛
تغويني إلى هاويتك وأصابعك تشير ناحيتي باتهام
بينما أكمل طريقي في ليل المدينة باحثًا عن جسد أخر
وليلة أخرى اقترب فيها من السور الكائن بيني وبين الجميع
كي يطرد جحيمهم ذلك البرد

(40)

تلك الرغبة في وضع جسدي على الحافة
حتى يملأ الأدرينالين شراييني كلها
حتى يصبح وجهي أحمرًا دمويًا
فيما يشبه الذبحة القلبية،
أرتدي أفضل ما لدي إلى جنازتي
أفرش طريقي إلى المقابر بسجادة حمراء
أنثر بتلات الأزهار فوق تابوتي،
وأفكر في كتابة مسرحية
لا يموت فيها أحد غير كاتبها
يتحول دمه إلى اللون الأسود
على الستائر والمقاعد والنجف
وملابس السهرة،
لن يمر الفصل الأخير
دون مشهد كبير أغسل فيه كفي من خيالي
وأضع النصل الذي قطعت به عنق الحياة
في صدري –
أبطالها هم الأخرون
الذين عبرتُ من أجلهم الأسوار
كي يطرد جحيمهم البرد من عظامي
فتركوني نائمًا في سريري صباحًا
أرغب في المزيد من النار

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

A WordPress.com Website.

Up ↑

%d bloggers like this: