لن يسلب أحدٌ من أنفك رائحة النعناع

(1)

كنا (اسكندرانيين) جدًا؛
قفزنا فوق الحروف
واسقطنا جميع الهمزات
واستبدلنا الضاد دالًا
كي لا تقف في حلقنا –
وتكلمنا بنون الجماعة
بينما كل منا يشير إلى نفسه

(2)

مدينتنا التي سقط عن واجهاتها الطلاء،
مدينتنا التي تعرف خفة الماء المالح
والرقص تحت الشمس الحارقة
وألم المفاصل
وأنصاف الأكواب المكسورة التي يتفتت فيها النور
في شوارع تنبت من شقوق الأسفلت،
مدينتنا التي تحتفظ بمياه الأمطار في بركها وحواريها
وبين قضبان الترام،
مدينتنا التي تمنح صفرة الخريف زرقتها إخضرارًا –
تعرف شعرك
كيف تغسلينه وتجففينه
وتعرف الشامة التي تخفينها على كتفك
وتعرف أنها ستحزم حقائبك ذات مساء
كجدة طيبة
كي تجربي مدينةً أخرى

(3)

نجلس في مقهى بوسط المدينة
نشرب القهوة ونحرق صدورنا تمامًا
بدخان الحرائق في أجسادنا،
لا نعتذر للمارة عن سيقاننا الممدودة
تقطع الطريق في منتصفه –
هذا أقرب ما نكون للثورة،
انتظري حتى يكتمل الغروب
وتغرق المدينة بالكامل في ظلامها،
وامسكي بيدي بينما نعبر شارع فؤاد
تقولين أن سيارتك فقدت نصف وزنها
على هذا الطريق بالتحديد
واليافتة الخضراء تقول أن الشارع
اسمه طريق الحرية،
أسحب كفي من كفك كي أشعل سيجارة
وأعيد رواية الحلم الذي رأيته ليلة أمس:
كانت ذقني فيه أكثف
ووجهي تملأه الحساسية –
نجلس في سيارتك النحيلة
في منتصف شارع فؤاد
وهاتفك لا يكف عن الرنين؛
ما زالت السكة طويلة
ونحن لم نعد واثقين
أن الطريق إلى ما نريد يمر من هنا

(4)

لأنني تعلمت الخوف من ماما
والصمت المشحون حتى الانفجار،
لأنني تعلمت الرقص في الحجرات المغلقة
والمشي على أطراف أصابعي
ولأنني تعلمت كيف تكون الهزيمة
بينما تسحبني المدينة خلف عجلتها الحربية
تحت قوس النصر العملاق،
ولأنني ابن ماما
وابن الأقنعة
أرتدي دائمًا الضجيج
بألوانه الصاخبة وفتحاته على ساقي –
بإمكاني أن أرفع رأسي
برغم أن أو لأن
جسدي كتاب تلوين، أنهيته بالكامل
قبل أن أتعلم كيف لا أخرج عن الخط!

(5)

تضعني في إطارك
وتعلقني على حائط غرفتك؛
بابا
ظهري يؤلمني
من طول ما تدلى
من الأسقف العالية

(6)

تقول ماما أنها تشعر بمغص
يذكرها بيوم ولادتي
وتعيد حكاية تفاصيل اليوم
الذي لا تنساه كأنها للتو انتهت من دفعي
في اتجاه كل ذلك الألم،
كأنها كان لا بد أن تمنحني بعضًا منه
لأنه أكثر من أن يتحمله شخص واحد على أي حال –
تقول أنه كان يوم ثلاثاء
تمامًا في منتصف الأسبوع
تمامًا في منتصف الصيف
تمامًا في منتصف السنة
تمامًا في منتصف الهوية
كي أصبح رجلًا في ثوب لا يناسبه
يبحث عن صوت أخر في أحباله الصوتية،
تقول ماما أن رحمها اتسع بما يكفي ذلك اليوم
كي يمنح الحياة لأربعة أطفال أخرين
دون أن تصاب عضالته بالترهل،
وأنها فوجئت حين احتضنتي بين ذراعيها صبيًا
لأنها وضعت في ذلك الجنين
أكثر مما قد يحتمله جسد رجل

(7)

هذا المساء
غرفتي فارغة تمامًا؛
لا أجد ما أكتب عنه
ملابسي جميعها نظيفة
ومرتبة في دولاب صغير،
الهاتف جثة على المكتب منذ الصباح
وارتباطاتي جميعها مؤجلة،
يبدو مساءً هادئًا ومناسبًا جدًا
لأخذ دش طويل
وتدخين سيجارة في بلكونتي
التي لا تطل على شيء

(8)

وحيد لتلك الدرجة
—————
أبحث عن جملة عادية
كي أفتتح بها تلك القصيدة،
جملة تامة تفضح المجاز
وتترك القصيدة فاقدة للوعي تمامًا
والقارئ فاقد للرغبة في استكمال النص
الذي قال كل ما يريده خلاص –
هكذا منذ البداية كان كل شيء واضح
ولكنني أكملت القراءة
بحثًا عن إلتباس
عن كلمة تهدم الوضوح
وتعيد تلغيز اللغة
كي أعيد تفسير كلامك
لأنني أرفض أن أكون وحيدًا لتلك الدرجة

(9)

أحب ذاكرتي
حين تلعب معي
وتفتح فجأة إحدى الصفحات
فيما يبدو كـ فعل بلا مبرر،
هنا، تحت شجرة مسك الليل
تحت نفس القطعة من السماء
أعود إلى شعور كنتُ أظنني قد فقدته
تلفني الرائحة بكل التفاصيل
التي حفظتها ذاكرتي في إناء خزفي؛
ويبدو الزمن فجأة مثل صديق وفي
يأخذ منك اللحظات
كي يعيدها إليك حين تحتاجها،
هنا، في تلك المدينة
وتلك الشوارع وذلك الكورنيش،
والأن لحظة تتكرر أبدًا في مخيلتي
وتمد يدها كي تهدئ من روعي
وتخبرني بكل اللغات التي أفهمها
أن كل شيء على ما يرام
وأن كل شيء سيكون على ما يرام،
أحب ذاكرتي حين تقول: تنفس
كل الذين تعرفهم
كل الذين تحبهم؛
أنا أحتفظ بهم لأجلك

(10)

في ذلك الجزء من المدينة الذي نفضله
ذلك المربع المتداري
خلف أبنية لها تاريخ اكتشفناه صدفة،
نسير بلا هدف
نكتشف كافيه نصف مدفون تحت الأرض
يحمل اسمًا لم أعرف كيف أنطقه؛
تضحكين وتصححين لي –
أنا ابن مدينة أخرى
تنمو كـ ورم على رئة مدينتكِ،
هناك كانت مدرستي التي قرأت فيها هاملت
على ترعة،
وهناك كانت جدتي
تزرع الحوش بالأرانب حتى أفناهم الحسد،
وهناك اكتشفت أن شارعنا الطويل لا يؤدي إلا إلى البحر
وأكواب الشاي بالنعناع التي شربتها جدتي على شلتتها وراء الباب
تفوح برائحةٍ تشبه الخضرة التي تبحثين عنها في أنفاس العابرين
تحت شرفتكِ!
(أخبركِ أنكِ سترحلين من هنا وسألحق بكِ
وأننا سنطوي البحر في حقائبنا
وسنخفي الابتسامة كي لا نجرح هيبة الوداع
أمام بوابات مطار القاهرة؛
لأن مدينتنا لن تودعنا
لن تقبل أن نغادر من مطارها)

(11)

تأخذني المدينة بين ذراعيها
وتطهرني بالنار –
تقول لا وقت للكذب
أنت لا تجلس في الظل بانتظار الأشجار؛
لا وقت للتملق أو للانكسار
أحزم حقائبك دومًا خلف الباب
فلا وقت للتفكير حين تقف الترام في المحطة،
تقول المدينة: النار لا تصنع محاربًا
بل تصنع قديسًا
يمشي زاهدًا في كل ما يحتاجه؛
تعالى إلى حديدي وزجاجي
تعالى إلى ناري
كي أصنع منك صلبًا نقيًا وكريستال،
أضمك في ليلي طويلًا حتى تعتاد الظلام
ثم أطلق في عينيك شمسي
كي تختبر اللحظات المكثفة،
اللحظات المارقة على سهوة
لا شيء هنا دائم
حتى التاريخ
حتى المشاعر
حتى حضن أمك
لكنك لن تهرب مني أبدًا
فأنت لا تطيق وداعًا
ولا تطيق لقاءً
لذلك أنت شاعر
تهجر حيرتك وتأتيني كي أربت على كتفك
وأخبرك أن لا وقت للكذب،
لماذا تخجل من ذكر اسمي؟
لماذا تخجل من تاريخك؟
تقول المدينة:
هل تذكر بائع النعناع
حين كان يمر تحت نافذتك كل صباح
يملأ أنفاسك برائحة الدهشة
بينما وجهه لا يحمل سوى التعب،
هنا لا شيء مجاني
حتى الجمال
لا بد أن تبذل مجهودًا كي تجده
ولكن حين تجده – ؛
لن يسلب أحدٌ من أنفك رائحة النعناع

One thought on “لن يسلب أحدٌ من أنفك رائحة النعناع

Add yours

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

A WordPress.com Website.

Up ↑

%d bloggers like this: