كنتُ أظن أن هنا تنتهي المدينة

(1)

في الخامسة
فتحت باب البيت لأول مرة وغادرت
وجدتني إحدي الجارات على بعد مئة متر
بكيت حين رأيتها
فقد كنت أظن أنني وصلت أخر الدنيا –
في الثالثة عشر
كان أخر الدنيا عند حديقة السلسلة
أمام المكتبة
حيث الثور العجيب الذي يحمل امرأة
في مشهد لم يفهمه الطفل،
كنت فقط أظن أن هنا تنتهي المدينة
وينتهي العالم –
في العشرين
عرفت أن التمثال العجيب لزيوس ويوروبا
وما زلت منذ تلك اللحظة لا أفهم
ما الذي أتى بزيوس إلي الشاطبي
وكيف توجد كل تلك الأماكن بعد أخر الدنيا!

(2)

تعرفين يا عزيزة
أن مكحلتك ما زالت في درج أقلامي
التي فرغ منها الحبر
ولم تفرغ منها الكلمات –
وتعرفين أن شالك التريكو
الذي رحلتي قبل أن تنهيه
ما زال في الدولاب
أفرشه فوق القصة
التي لا أعرف كيف أتخلص من بطلها –
أنا يا عزيزة حفيدك
الذي لم تحبي أمه قط
ولكنه يسامحك الأن
كي تنمو على قبرك أعواد النعناع
وكي تسامحيه على كل الخذلانات
وعلى كونه لا يحمل اسم جده

(3)

أجمع الحجارة
وأرصها في حجرتي
وأقول لنفسي يومًا ما
ستكون لتلك الأطلال
قصيدة
ولأني لا أعرف كيف أنحت
أكتفي بالوقوع في غرام
ما لم أتمكن بعد منه –
وأظل أحدق في صفحة الجير البيضاء
منتظرًا منها أن تقول
كيف يكون لبيجماليون
ألا يقع في غرام منحوتته!

(4)

“ترتدين” أحمر شفاهك
أمام مرآة الحمام في موري سوشي-
لا تعنيكِ أحجار الجرانيت التي اختفت
من رصيف الكورنيش،
تقولين: بإمكاني الأن أن أسير
دون أن أتعثر في تاريخك
الذي تكتب عنه
كـ كفافيس آخر يطارد المدينة
ويلعنها؛
أنا لا أعبأ بجنونك
أنا فقط لا أريد أن أكسر كعب حذائي
في فتحة إحدى تلك البالوعات

(5)

تجدين بين أكوام الكتب
مسرحيتك المفضلة فتشترينها
وتقرأين لي سطورًا منها –
ليس عجيبًا أن يكون بطلك المفضل
من بين كل الأبطال هو ذلك الأحدب
الذي حمل قدره على كتفه وصعد السلم كله –
تعرفين أن الطريق الذي اختاره جلب المأساة
وتعرفين أن لا حيلة لنا سوى المضي قدمًا مثله
ولو انتهى الأمر بنا في ساحة المعركة دون حصان –
تمررين عينك على الرفوف بحثًا عن إدوارد سعيد
كي تسأليه كيف كان يترك سريره كل صباح
وكل تلك الغربة على كتفه

(6)

أمتلك عددًا كبيرًا من الكتب
ولكني لا أمتلك مكتبة –
تراودني فكرة دق رفوف في حائط غرفتي
كي أرص عليها كل هذا الورق،
أريد أن أفرشها بمفرش التريكو
الذي صنعته ماما حين أخبرتها بخططتي لأول مرة
وأن أجعلها متحفًا مفتوحًا لكل هؤلاء الأموات،
ولكنني أميل أكثر لأن أتركهم هكذا
منثورين
في ركن الحجرة
وفي النيش
والمكتب
والبوفيه
وأن أترك كتابًا في كل مكان أنهيته فيه،
وأميل لأن أقذف بهم من البلكونة
كي يسقطوا سقوطًا حرًا على أي وجه
وفي أي رأس،
وأميل لأن أعتبرهم أشياء لا تستحق
كل تلك الجنائزية في ترتيب الرفوف –
لا أمتلك مكتبة
ولا أمتلك أبجدية
كي أرتب الكتب
أما تريكو ماما فربما أدثر به رقبتي الشتاء القادم

(7)

لماذا
أنت هناك
وأنا هنا؟
لماذا لا نعبر أسوار الجحيم
ولا نبني فوق البحر جسرًا
أو نفقًا
أو أدعوك لكوب قهوة
تمامًا تحت القمر
كي يغرق وجهينا في نوره العمودي
ونجلس كلانا بلا ظل؟ –
لا كنا هنا
ولا كانت تلك الحياة

(8)

“كله من عمرنا”
قالتها السيدة التي مرت بنا
بينما نفكر كلانا في طلب الحساب
ومغادرة المقهى،
تسأليني لماذا أحب المقاهي المفتوحة والجلوس في الشارع؟
أنظر إليها بينما تنزل سلالم نفق كامب شيزار
وأفكر جديًا في إخبارك بالسر –
إبريل هذا العام لا يحمل أي مفاجآت؛
تعيد أشجار العام الماضي كساء فروعها
بذات الأحلام التي تذبل كل خريف،
أشعر بأني أعرف هذا الألم
وأعرف تلك اللحظات
التي تخبو في ضوضاء منتصف اليوم
في أصوات ناس يملئون الشوارع
بأصوات أحذيتهم على الأرصفة،
أفكر في إخبارك أن إبريل سيأتي مرة أخرى،
ولكني أنشغل بتقسيم الضريبة
كي يمضي كل منا بذات القدر من الألم

(9)

كنت ما زلت أحبو
حين أشترى لي بابا عجلة
ظلت لسنوات فوق الصندرة
حتى تمكنت أخيرًا من المشي –
أخذني من يدي
للحديقة الصغيرة بين الاستاد والإسعاف
وظل يعلمني ركوبها؛
امتلأت ساقي بالكدمات
بينما ظل يدفعني مصممًا
أن أقودها وحدي
حتى تعلمت
أن أتزن
وأوجه المقود
في أي اتجاه
أى اتجاه
المهم أن أحافظ على اتزاني –
أمشي الأن متزنًا تمامًا
لا أعرف إلى أين
متمنيًا لو أنه علمني أن أحبه

(10)

تمسك ماما بيدي حول القلم
تعلمني الكتابة في خطوط مستقيمة،
تقول شيًا عن السطور
والحروف التي لا تنزل عنه –
تضع يدي بجواري
وتقول لا تطلقها في وجه من تحدثه،
لا تطلق مشاعرك هكذا –
ماما يدي ما تزال بجواري
والمشاعر التي لم أطلقها تهز أعصابي،
ماما أنا أكتب الشعر الأن وأنتِ لا تعرفين
ماما لا تفزعي
فالشعر يُكتب في خطوط مستقيمة
ولا تنزل حروفه عن السطر –
أكتبه كي تظل ذراعي بجواري
دون أن يصيبها الشلل

(11)

تلك السيدة التي جلست بجواري في المشروع
طلبت مني أن أغلق الزجاج قليلًا وابتسمت،
أردت أن أسألها عن اسمها؛
تحمل وجهًا ربما كنت أعرفه قبل خمسة عشر عامًا
نفس لون الشعر، والتوكة ذات الوردة السوداء
نفس الطول وستايل الملابس،
أردت أن أخبرها أنني ما زلت أذكر
قطعة الجوافة التي أعطتني إياها
في منتصف الحصة،
وأني ما زلت استخدم الحاضر التام
كما علمتني بالضبط:
لقد نسيت مفاتيحي يا ميس عايدة
وأنا الأن أمام الباب لا أتمكن من الدخول –
أبحث عن ملامحك في وجهها
كي تبتسمي كما كنتي تفعلين دومًا
فأعود طفلًا لا تعنيه أبواب العالم

(12)

تمر أخر نوات الشتاء على رأسي
تمطر في خيالي يا فرح
فيبتل طرف فستاني؛
تعرفين أن داخلي امرأة
ترتدي دومًا ماكسي
كي لا تزعج سيقانها
أعمدة الرخام
في قلب المدينة –
أرفع طرفه
وأخطو فوق الطين
ناحية البحر
كي أشاهد الربيع
ينشر ألوانه بعيدًا
علي بياض الرخام
وبياض الشوارع
وبياض النفوس –
كل شيء أبيض يا فرح
لدرجةٍ تزعج عيني
وتجعل الرمادي
الذي ارتديه يبدو باهتًا جدًا

(13)

بابا،
لماذا ينعقد لساني
كلما حاولت أن أتحدث
عن مشاعري؟
بابا،
لماذا تتعثر خطاي
على السلم إلى كل من أحب؟
لماذا لم تخبرني
أن العصافير التي تسكن رأسي
يمكنها الرقص
والتقاط الحبوب
من كفوف الطيبين؟

(14)

لنتفق الأن
ألا يتخذ أيٌ منا الأخر وطنًا،
تعرف أني عربي
وأني لا أعرف من الوطن
إلا قسوته،
جمعتنا المواسم
في ربيع المدينة القاسي
المثير للأتربة وللحساسية
ويدها القاسية تعرف كيف تصل إلى قاع البحر
كي تستخرج ما أخفاه الزمن هناك
دون أن تعطي اهتمامًا لحكمته
في طمر الماضي
طمره بألف طبقة
وبماء مالح –
تلك المدينة لا تعرف كيف تفقد
ولا تمنح ظهرها للتاريخ أبدًا
وأنا ابنها
أحمل شوارعها في كفي
ولعناتها كلها –
ومثلها سأعيد بناء ما أكلته النار
ولو مرت ألفي سنة
لنتفق الأن إذن
ألا نصنع من ذلك الربيع
مكتبة أخرى

(16)

تطحن أمكِ حبوب البن
صباح كل جمعة
وتضيف الحبهان
فيلتقط شعركِ المبتل رائحته،
تصنعين فنجانًا من طزاجته
تشربينها في الشمس
بينما تجففين البنفسج على أظافرك،
وتنشرين في فراغ الشارع جسدك،
تقشرين البرتقال
وتلعنين الكنكة النحاس
التي انكسر مقبضها قبل عشر سنوات،
لماذا لا تشترين واحدة أخرى؟
لماذا يدفعك الغضب دومًا ناحية القهوة والبرتقال؟

(17)

القطة التي حكت فراءها في حذائك
بينما تتناول قطعة البقلاوة الأخيرة في طبقي –
طرف أنفك الأحمر في نزلة البرد الأخيرة لهذا الشتاء
ولون خلفية هاتفك حين تلقيت إيميل القبول في الجامعة الأوروبية –
درجة حرارة اليوم الذي اشتريت فيه كل تلك الأدوية
كي تأخذها معك إلى بلاد لا تعرف إلا وصفات الطبيب
لعلاج صداع طارئ في منتصف النهار –
تقلب صفحات باسبورك كي أرى التأشيرة،
لماذا ما زلت أراك جميلًا حتى في صورة هجرك؟

(18)

مفاجأة بذلك الحجم
في مدينة بهذا الضيق
خريطة عالم على وجه قهوتك –
أريد أن أعيش حياة مليئة بصباحات كتلك؛
صباح الجمعة الهادئ
شمس المدينة ونخلها
وقهوة قطعت نصف الأرض
من أجل فنجاني،
صباح يعقب ليلة أخرى
في شقة ضيقة في شارع جانبي
يتريض فيه كبار السن بصحبة كلابهم
وأشجار دائمة الخضرة
تناسب روحي
التي لا يكفيها فصل واحد في السنة،
مفاجأة بطول شعر تلك المرأة الأحمر
التي رأيت وحدتها مرارًا في شي جابي
بصحبة زجاجة نبيذ أحمر
ورأيتها مجددًا هذا الصباح
تطعم قطط شارع فؤاد الضالة
من كيس أسود –
صباحات كتلك
حيث تنبت في أذني وردة
مكان الصخب
ويذوب القلق في دمي
وامتلأ امتنانًا للمدينة التي جعل ضيقها
مفاجأة كتلك تتضاعف في خيالي المارق

(19)

أريد أن أكتب، أكتب،
حتى أفقد نصف وزني
وذاكرتي
والسعي غير المجدي
خلف الظل
ويبح صوتي تمامًا
فلا أعود أريد
غير كوب نعناع دافئ
وشتاء طويل
بلا تجارب أخرى –
أريد أن أكتب، أكتب
وكأن كل شيء قد انتهي بالفعل
ولم يعد بإمكان العالم (المدينة)
إلقائي من فوق صوتي
في كل مرة أبلغ فيها سقف حلقي

(20)

أنت لا تفهم؛
أنا عربي
ليس ممكنٌ
أن أصنع لنفسي
في بيتك
قهوة
دون أن أفكر
أن بإمكاني العيش هنا
إلى الأبد –
ليس بإستطاعتي
أن أحزم جسدي
من خيمتك
وأرحل في الصباح
دون أن أفكر
أني الأن مضطرٌ
لمواجهة الصحراء

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

A WordPress.com Website.

Up ↑

%d bloggers like this: